قصة نجاح باحث تونسي : تألق في مجال الهندسة الكيميائية.. وأنقذ 8000 قرية في ماليزيا من العطش (فيديو)


تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى منتجات مفيدة هو هدف ضمن أهداف رسمها البروفيسور التونسي محمد خير الدين عروة الذي قاده البحث في رحلة إلى ماليزيا مرورا بفرنسا طيلة 3 عقود أمضاها في المختبرات والتجارب، أهلته ليصبح واحدا من أكبر الشخصيات العلمية المعترف بها في ماليزيا وفي العالم في مجال الهندسة الكيميائية والمياه وتفكيك المواد.
كان حلمه أن يكون لديه مركز أبحاث خاص به يمكّنه من المساهمة في رفع التحديات الكبرى التي تواجه البشرية في مجالات البيئة والمحيط، وقد تسنى له منذ عام 2017 تحقيق هذا الحلم، حين انضم إلى جامعة صنواي (Sunway University) الماليزية.
كما سبق له قبل ذلك أن أسهم في مشروع رائد تمثل في تنقية مياه الفيضانات وجعلها صالحة للشرب، وهي واحدة من التقنيات التي أهلته ليصنف واحدا من أفضل 2% من علماء العالم (وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد)، والباحث الأكثر اقتباسا منه لعام 2018-2019.
من تونس إلى ماليزيا.. مسافة حلم
شغفه بالمعرفة قاده في رحلة مكوكية من المدرسة الوطنية للمهندسين بمحافظة قابس التونسية إلى جامعة نانسي الأولى في فرنسا، ثم توجه إلى ماليزيا التي استقر بها منذ عام 1993، حين انضم إلى قسم الهندسة الكيميائية بجامعة مالايا (University Malaya) التي تعد من أفضل الجامعات الحكومية هناك.
يقول البروفيسور محمد خير الدين عروة في حوار مع الجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني “في ماليزيا، كنت محظوظا بالحصول على عرض من قسم الهندسة الكيميائية بهذه الجامعة حيث مكثت أكثر من 24 عاما وتقدمت في مسيرتي المهنية من محاضر زائر ومحاضر إلى أستاذ مشارك وأستاذ وأستاذ أول”.
ويضيف “توفرت كل الظروف الطيبة من أجل العمل والبحث والارتقاء المهني، وقد ساعدني ذلك على النشر العلمي من ناحية، وعلى الابتكار وكسب عديد براءات الاختراع من ناحية ثانية، كما ساعدني في الإشراف على تخرج أكثر من 30 طالب دكتوراه بنجاح من ناحية ثالثة”.
ويعتبر البروفيسور محمد خير الدين عروة أن ماليزيا منحته فرصة تحقيق حلمه الكبير المتمثل في بعث مركز أبحاث خاص به، وهو ما تحقق منذ 5 سنوات عند التحاقه بجامعة صنواي التي كانت واحدة من أولى الجامعات في ماليزيا، والتي اعتمدت أهداف التنمية المستدامة الـ17 كما حددتها منظمة الأمم المتحدة، وعملت على الاستثمار بكثافة في البحث لمعالجة هذه الأهداف، إذ تسنى له منذ بداية يناير/كانون الثاني 2018 إنشاء مركز لالتقاط واستخدام ثاني أكسيد الكربون
التقاط ثاني أكسيد الكربون وأهداف التنمية المستدامة :
يقول البروفيسور محمد خير الدين عروة “في مركز استخدامات أكسيد الكربون في جامعة صنواي الماليزية لدينا رغبة قوية في التأثير على المجتمع من خلال الانخراط في أبحاث عالمية المستوى تعالج أحد التحديات الكبرى التي تواجه البشرية والأرض وهو تغير المناخ”.
ويضيف أنه “من خلال العمل على التقاط ثاني أكسيد الكربون، فإننا نسعى بشكل أساسي إلى تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة التي نصت عليها الأمم المتحدة. من ذلك الهدف الـ13 بشأن المناخ، والهدف السابع بشأن الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة، بالإضافة إلى الهدف التاسع حول الابتكار الصناعي والبنية التحتية، فنحن نقوم بتطوير عملنا من أجل محيط سليم وبيئة نظيفة”.
ويوضح عروة أن ظاهرة الاحتباس الحراري تعدّ تهديدا حقيقيا للحياة على الأرض، حيث يعتبر ثاني أكسيد الكربون المساهم الرئيسي في هذه الظاهرة، مما يجعل التخلص منه عبر الحد من انبعاثاته أو التقاطه من الأولويات في المجال البيئي.
ولكن في الواقع لا يعد التقاط ثاني أكسيد الكربون مهما فقط لمجابهة تغير المناخ، بل ضروريا في بعض المجالات الصناعية مثل تنقية الغاز الطبيعي الذي يحتوي على كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون يجب إزالتها، لأنها تقلل من القيمة الحرارية للغاز، والأمر ذاته بالنسبة للغاز الحيوي الذي يمكن أن يحتوي على ما يصل 40% من ثاني أكسيد الكربون. فعلى هذا النحو لترقية الغاز الحيوي إلى ميثان حيوي، من الضروري إزالة ثاني أكسيد الكربون.
شبكة أوروبية آسيوية لالتقاط ثاني أكسيد الكربون :
وإن كان اعتمادها لا يزال محدودا، إلا أن تقنية التقاط ثاني أكسيد الكربون واحتجازه معتمدة في بعض الدول، لاسيما على مستوى محطات توليد الطاقة ومنشآت معالجة الغاز الطبيعي، إلا أن الأبحاث التي يشرف عليها البروفيسور محمد خير الدين عروة ترتكز أكثر على تثمين ثاني أكسيد الكربون وتحويله.
يقر عروة بأن التقنيات المتاحة حاليا لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من محطات الطاقة أو من الغلاف الجوي باهظة الثمن ومكلفة للغاية، كما أن العملية لا تدر أموالا على المستثمرين، فالتقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه لا يدر عوائد اقتصادية لأن كلا العمليتين مكلفة.
ويضيف “في مركزنا وبالتعاون مع العديد من الباحثين الوطنيين والدوليين، نعمل على تطوير عمليات مبتكرة تتجاوز التقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه. وهدفنا هو دمج التقاط ثاني أكسيد الكربون مع استخدامه الذي يحوّل ثاني أكسيد الكربون الملتقط إلى مواد كيميائية ومنتجات مفيدة، هذا خيارنا لجعل احتجاز ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة ومصانع الأسمنت والجو وغيرها مربحا وبالتالي جذابا للمستثمرين”
ويعتبر عروة أن هذا الخيار هو تحد كبير لا يمكن لشخص واحد أو فريق واحد أو جامعة واحدة مواجهته، فالتعاون والشراكة التي تضم فرقا بحثية مختلفة وجامعات مختلفة وأصحاب مصلحة من الصناعات هو المفتاح لكسب هذا التحدي.
 ويوضح “نحن في جامعة صنواي ومركز استخدامات أكسيد الكربون نعمل على تطبيق الهدف الـ17 من أهداف التنمية المستدامة الذي ينص على عقد الشركات لتحقيق الأهداف.
ومن هذا المنطلق نسعى حاليا إلى تأسيس أول شبكة أوروبية آسيوية لالتقاط ثاني أكسيد الكربون واستخدامه، تضم العديد من الجامعات المحلية والإقليمية والدولية، كما وقّعنا مؤخرا تعاونا بحثيا لمدة 3 سنوات مع مجموعة في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا لدمج التقاط ثاني أكسيد الكربون مع استخدامه في أجهزة تخزين الطاقة”.
ويعرب عروة في هذا السياق عن ثقته في أنه خلال العقدين المقبلين سيكون ثاني أكسيد الكربون الذي تم التقاطه إحدى اللبنات الرئيسية متعددة الاستخدامات في الصناعة الكيميائية.
بين التقاط ثاني أكسيد الكربون والحد من انبعاثاته
يعتبر عروة أن تغير المناخ هو تحد كبير يواجه الأرض والبشرية جمعاء، وأنه لا يوجد حل واحد لحل مشكلة الاحتباس الحراري وتقليل تأثيره على تغير المناخ، وبالتالي لابد من تطوير العديد من الإستراتيجيات وانتهاجها في وقت واحد. لذا وجب العمل -وفق عروة- بالتوازي على الانتقال إلى الطاقة المتجددة، وتطوير تقنيات خالية من الكربون أو منخفضة الكربون من ناحية، مع مواصلة تطوير تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون واستخدامه وتخزينه من ناحية أخرى.
وقد اعتبرت الوكالة الدولية للطاقة استخدام وتخزين الكربون من الركائز الأساسية الأربع لانتقال الطاقة العالمي، إلى جانب الكهرباء المعتمدة على الطاقة المتجددة والطاقة الحيوية والهيدروجين، مقدرة أن الحد مما يقرب من نصف الانبعاثات العالمية يمكن له أن يتأتى من تقنيات التقاط واستخدام الكربون لتحقيق الحياد الكربوني والوصول بانبعاثات الكربون إلى الصفر.
ويعدد عروة الأسباب التي تجعلنا في حاجة إلى التقاط واستخدام ثاني أكسيد الكربون حتى لو استبدلنا الطاقة القائمة على الوقود الأحفوري بنسبة 100% بالطاقة المتجددة الخالية من الكربون، من ذلك أنه يمكن اعتماد تقنيات التقاط الكربون لتوليد الطاقة لا سيما وأن تقديرات انبعاثات المنشآت الصناعية تقدر بحوالي 8 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2050 (أي حوالي ربع انبعاثات قطاع الطاقة السنوية اليوم) هذا من ناحية.
من ناحية ثانية، يمكن لالتقاط واستخدام وتخزين الكربون معالجة الانبعاثات في القطاعات ذات الخيارات الأخرى المحدودة، مثل تصنيع الأسمنت والصلب والمواد الكيميائية، وفي إنتاج الوقود الاصطناعي للنقل لمسافات طويلة. ومن ناحية ثالثة يمكن لهذه التقنية إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وهو الخيار الوحيد لتقليل تركيزه حيث وصل إلى قرابة 0.042%، وهي نسبة عالية.
لذلك حتى وإن تخيلنا أننا سنطور تقنيات دون انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (الأمر الذي يحتاج إلى عقود)، فسيكون -وفق البروفيسور عروة- من الصعب تقليل تركيز هذا الغاز في الغلاف الجوي لأن هناك عملية ينبعث منها ثاني أكسيد الكربون ليس من استخدام الوقود الأحفوري ولكن من العملية نفسها.
فضلا عن كوننا أصبحنا نشهد زيادة في وتيرة الكوارث الطبيعية خاصة حرائق الغابات التي تنبعث منها كميات هائلة من الكربون والتي تم تخزينها لآلاف السنين، ولا يمكن موازنة هذه الانبعاثات الضخمة من خلال الامتصاص الطبيعي لثاني أكسيد الكربون للأرض. لهذا السبب ولتقليل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، سنظل في حاجة إلى التقاطه واستخدامه وتخزينه.
ثاني أكسيد الكربون.. استخدامات متعددة وآفاق واعدة 
نتعامل في الوقت نفسه مع قضيتين بيئيتين كبيرتين: تغير المناخ من خلال تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتقليل تأثير النفايات البلاستيكية، وفق عروة. فنحن في مركزنا نشتغل على عوامل التقاط ثاني أكسيد الكربون المشتقة من الموارد الطبيعية مثل الأحماض الأمينية، وكذلك تحويل مواد النفايات إلى مذيبات أو مواد ماصة صلبة. وسيساعدنا هذا على المدى الطويل على تطوير عمليات منخفضة التكلفة ومستدامة.
ويوضح البروفيسور محمد خير الدين عروة أن “نوع النفايات التي نعتمدها هي الكتلة الحيوية وكذلك النفايات البلاستيكية، وقد أظهرنا على نطاق مخبري أنه يمكننا تحويل النفايات البلاستيكية إلى مذيب لالتقاط ثاني أكسيد الكربون بكفاءات مماثلة للمذيبات المعيارية الحالية”.
هذا على مستوى آليات التقاط ثاني أكسيد الكربون، أما على مستوى استخداماته، ففضلا عن استخداماته المباشرة كما هي الحال في مشاريع الاستخلاص المعزز للنفط “إي أو آر” (EOR)، فتتم إعادة حقن ثاني أكسيد الكربون الملتقط في حقول النفط المستنفدة لاستخراج المزيد من النفط.
ويمكن أيضا استخدام ثاني أكسيد الكربون الملتقط كعامل تعديل الأس الهيدروجيني في صناعات مثل صناعة السكر، ويمكن استخدامه مصدرا للكربون في التكنولوجيا الحيوية، ويمكن استخدامه في زراعة الطحالب، كما أن لثاني أكسيد الكربون استخدامات طبية. فضلا عن ذلك يعتبر ثاني أكسيد الكربون في المرحلة فوق الحرجة مذيبا قويا في عملية تسمى استخراج السوائل فوق الحرجة “إس إف إي” (SFE) حيث يمكن استخدامه لاستخراج المواد الكيميائية الحيوية النشطة.
والأهم من ذلك أن ثاني أكسيد الكربون يمكن تحويله إلى مواد كيميائية ذات قيمة مضافة. على سبيل المثال، يمكن اختزاله إلى أول أكسيد الكربون “سي أو” (CO) والذي يمكن دمجه مع الهيدروجين الأخضر لتكوين ما نسميه الغاز التخليقي الذي يمكن تحويله بدوره إلى وقود، وكذلك المواد الكيميائية الوسيطة مثل الإيثانول والميثان، وبالإمكان أيضا تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى كربونات مثل كربونات الكالسيوم التي لها استخدامات صناعية متعددة.
المصدر : الجزيرة
الفيديو :





             
تعليقات