القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة : 39 ألف مهندس و 3300 طبيب تونسي غادروا تونس خلال 5 سنوات



نزيف الهجرة تفاقم بعد الثورة، حقيقة تنطق بها الأرقام…آخر مسح للهجرة يكشف عن هجرة 39 ألف مهندس و3300 طبيب تونسيبين 2015 و2020.


دراسة كشف عنها الأسبوع الماضي المعهد الوطني للإحصاء تؤكد أن أكثر من 39 ألف مهندس و3300 ألف طبيب تونسي هاجروا تونس منذ 2015 إل 2020، ما جعل من الهجرة أشبه بثقب أسود يتسع باستمرار ليبتلع خيرة عقول تونس من مختلف المجالات الجامعية التي ترحل بحثا لا عن تطوير الأوضاع المادية وإغراءات الحياة في الدول الغربية فحسب، بل كذلك بسبب ضيق الأفق وبحثا عن بداية جديدة في مجتمع مختلف يحترم الإنسان ويقدر الكفاءات التي لم تحظ الكثير منها بفرصة في بلدها الأصلي كما يتحدث كثيرون.

ما يزيد عن مليون و700 ألف تونسي عبروا بشكل صريح عن نيتهم الهجرة من تونس حسب الدراسة الأخيرة التي أعلن عن نتائجها المعهدالوطني للإحصاء الثلاثاء 7 ديسمبر.

أرقام تشير إلى أن حلم السفر نحو فضاءات أرحب لم يعد حكرا على طبقة اجتماعية معينة أو من المهمشين والمعطلين عن العمل والمنقطعين عن الدراسة الذين يرون في الضفة الأوروبية ملاذا من واقعهم المتأزم.

فخلال السنوات العشر الماضية غادر عشرات الآلاف من الكفاءات والأدمغة التونسية إلى المهجر، في ظاهرة زاد من تفاقمها الاستقطاب الأوروبي والغربي لعديد المهارات والتخصصات من قطاعات علمية معينة.

العجز عن الاستثمار في الحلم

في تحليله لمعالم الظاهرة على المستوى الاجتماعي والسوسيولوجي، يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الإشكال الرئيسي الذي يكمن وراء تصاعد نزيف هجرة الأدمغة يرتبط بالوضع العام في البلاد، إذ أن البقاء في تونس لم يعد مغريا للسواد الأعظم من الشباب والحاصلين على مؤهلات عليا.

وأشار عز الدين في حديثه لبوابة تونس أن ما يقرب من 50 بالمئة من الشبان التونسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 35 سنة يحلمون بالسفر والاستقرار في بلد آخر يتيح لهم الاستثمار في أحلامهم وطموحاتهم، مضيفا “عندما يصبح الشباب غير قادر على بناء أحلامه ومشاريعه في بلده فهنا يكمن موضع الداء والخطر”.

تحليل ظاهرة الهجرة يعتمد على مستويات ثلاثة حسب محدثنا تأتي التمثلات الفردية في مقدمتها، والمرتبطة عادة بالتصورات والأحلام الخاصة التي يرسمها كل شخص لمستقبله المهني وحياته الخاصة، ومدى قدرة تونس على الاستجابة لهذا السقف من الطموحات وتوفير الأرضية والحوافز لتكريس مساره الذاتي وبنائه.

ويلفت الأستاذ ممدوح عز الدين إلى أنه كلما ارتفع سقف الانتظارات الخاصة بالشباب ازدادت صعوبات تحقيقها، بالنظر إلى عدم تطابقها مع الواقع المعيش راهنا في تونس ما يزيد من حجم الإحباط واليأس وبالتالي البحث عن بدائل فردية غالبا ما تتجسد من خلال الهجرة.

غياب الاستقرار وتأثيرات العولمة

ويشمل السياق الثاني العامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تغلب عليه الهشاشة والتوتر وعدم الاستقرار والأزمات المتوالية منذ 2011، والناتجة حسب رأيه عن المخاض الديمقراطي الذي عاشته كل الثورات بالضرورة عبر التاريخ، ولكن انعكاسات هذه الهزات وعدم الاستقرار وغياب الأفق لفترة طويلة يدفع بالضرورة الشباب إلى البحث عن طريق آخر لتحقيق رغباته وتطلعاته وبناء مساره في مجتمع جديد يتميز بالرفاه الاجتماعي والاستقرار السياسي.

كما لفت الباحث التونسي في علم الاجتماع إلى أن تخلي الدولة بشكل تدريجي عن أدوارها في الرعاية الاجتماعية في ظل التحولات الاقتصادية، والانتقال إلى اقتصاد السوق والعولمة يعتبر العامل الثالث الذي يفسر تصاعد ظاهرة هجرة العقول التونسية.

تحولات متسارعة تزامنت مع تخلي الدول الأوروبية عن التمويل والاستثمار في قطاعات معينة مثل الصحة والتعليم خاصة في ظل الانفتاح الواسع على الخوصصة، وهو ما أدى لاحقا إلى توجه حكوماتها إلى استقطاب المهارات المهاجرة في مختلف التخصصات وبالذات العلمية منها على غرار الأطباء باعتبار ما يتكلفه هذا القطاع من ميزانية ضخمة على الدول في التكوين.

وأشار محدثنا في هذا السياق إلى أن كلفة تكوين الطبيب في الجامعات التونسية تقدر بحوالي 700 ألف دينار قبل أن تتلقفه المستشفيات الفرنسية والأوروبية والكندية، لتقدم إغراءات وامتيازات كبرى للكفاءات التونسية على المستوى المادي والمعنوي إلى جانب الجنسية.

البحث عن تقدير الذات

ويرى ممدوح عز الدين أن خيار الهجرة يكون متأثرا بالعامل الفردي نتيجة بحث الشخص عن تحقيق رفاهه المادي وتأمين مستقبل أفضل لعائلته بفضل الامتيازات التي تقدمها له بلدان المهجر، قائلا “لو أن تلك المهارات والعقول حظيت بهذه الامتيازات ذاتها في تونس فالأكيد أنها كانت ستخير الاستقرار هنا”.

وفضلا عن الإغراءات المادية والرفاه الاجتماعي يشير محدثنا إلى عامل نفسي مهم وهو ما يعرف في علم الاجتماع بـ”الحاجة إلى تقدير الذات” والاعتراف من الآخر، وهو ما لا يحظى به أغلب الشباب التونسي في بلده.

ويضيف عز الدين “تهتم العقول التونسية بالتقدير المناسب للجهد الذي تقوم به وتثمينه عبر الاحترام والاعتراف وهو أمر تفتقده في بيئة عملها في تونس، ما يدفعها نحو البحث عن إشباع هذه الحاجة في الخارج”.